فيما مضى أتت على البشرية فترة من الزمن لم تكن وسائل الأعلام فيها على ما نحن عليه اليوم في وقتنا الحاضر ، وكان الحاكم مثلا إذا أراد الإعلان عن أمر ما ، بعث مناديا يطوف بالأنحاء ليعلم الناس بالأمر ، وكان المنادي يتخذ وسيلة لجذب الانتباه بوقا ينفخ فيه أو جرسا يدقه أو طبلة صغيرة ينقر عليها بين الحين والأخر أثناء قيامه بالإعلان .
ومرت وسائل الأعلام والإعلان بتطورات عدة خلال حقب الزمن المختلفة ، وكان لكل مجتمع عاداته التي درج وتعود عليها بحيث أصبحت عرفا سائدا بين الناس يعمل به الجميع ويقرونه .
وفي العصر الحديث بدأت تفد على الناس حرفة وصناعة جديدة لم يعهدوها من قبل ، كانت في بدايتها للتسلية والإلهاء حتى أن الدور التي كانت تمارس فيها هذه الصناعة كان يطلق عليها الملاهي ، وبما أن نشاطها كان يمارس ليلا فلازمتها هذه الصفة وأصبحت تسمى " الملاهي الليلية " .
ومن المعلوم أن اليهود قد حازوا قصب السبق والبراعة في هذا المجال ، كما أنهم أول من بدأ في استخدام واستعمال المرأة كوسيلة جذب ، فبطبيعة الأمور لم يكن دور الرجل في التسلية والألعاب أمر يسلي الناس ويرفه عنهم بالقدر اللازم لرواج هذه الصنعة ، وكان عقد المقارنة بين أداء الرجل وأداء المرآة هو أمر غير متصور وبه شئ كثير من الظلم لأداء الرجل ، إذ أن مجرد ذكر وجود امرأة لتؤدي دورا ما بالمحل أو دار اللهو كان كافيا لاجتذاب أضعاف أضعاف الجمهور الذي يأتي لمشاهدة الرجل ، ذلك لمجرد وجود العنصر النسائي في الأداء – وكان يطلق على النساء الصنف أو الجنس اللطيف وكأن الرجال شئ سئ – إذ المرأة في هذه الفترة وفي كل المجتمعات كانت متحفظة ، وقل ما تجد امرأة تمشي وحدها في الطريق ، وندر أن تشاهد أي امرأة غير محتشمة حتى ولو كان ذلك بلا اقتناع أو رضا من النساء بدافع العادات والتقاليد والموضة ، والأمر الذي بات في وقتها مخالفا للعرف بل كان من دواعي الخزي واللوم والاستنكار بقاء المرأة خارج بيتها لوقت متأخر حتى ولو كانت بصحبة زوجها ، إذ هي على هذا النحو غير محافظة !!! فكان وجود المرأة فجاءة على هذا النحو للهو والترفيه والتسلية أمر غير اعتيادي يرغب القاصي والداني في معاينته والتأمل فيه وكان وراء ذلك أسباب عدة ليس أخرها عدم وجود وسائل أخري للتسلية !!
كانت هذه هي العادات السائدة ، وقد يظن البعض أني أتحدث عن المجتمع المسلم ، الحقيقة أن هذه هي العادات التي سادت معظم المجتمعات في هذه الفترة لذات العلة والسبب الذي نسعى وراءه ...
تمرد المرأة على الحرملك وبداية ظهورها سافرة غير محتشمة
المتابع للأفلام والمسلسلات القديمة في أي مجتمع وكذا المطلع على الروايات القديمة يشاهد المرأة محافظة محتشمة لا ترى حتى خارج الشرفات بدون ملابس فضفاضة تغطي ذراعيها وساقيها كما أنها غالبا ما كانت ترتدي غطاء للرأس وكانت المجتمعات تسود فيها أخلاقيات وقيم لدرجة أنه قل أن تجد نوعية الجرائم التي يمكن أن تصادفها اليوم ، وقد سبق إيضاح ميلاد حرفة التسلية والترفيه فما لبثت تولد إلا وبدأت حركة دور الملاهي تتطور وبدأ المجتمعات تنفتح على عادات وافدة عليها من قبل أصحاب هذه الدور والمحال ، وبطبيعة الحال ليس لهؤلاء هم ولا شاغل إلا الكسب المادي بأي وسيلة ، فبدأت فرق استعراضية في التكوين وفرق مسرحية وتطور الأمر وصاحب ذلك إنشاء دور للعرض – سينما – ومسارح وما يدعى تياترو وأماكن لأغراض أخري مثل البارات مع إضافة بعض التعديلات لزوم الترفيه كتطور لهذه الأنشطة تدعى بالكباريهات... هذه الأماكن وغيرها لم تكن إلا مرتعا للفسق والمجون والدعارة لكنها كانت تظهر بمظهر المؤسسة ذات الكيان والسمعة المحترمة!! ... بطبيعة الحال كانت هذه الأماكن التي عددتها تعتمد في عملها ورواج المادة التي تقدمها على العنصر النسائي وكانت تستجلب لهذا الغرض فرق من بلاد شتى .
بدخول هذه الأنشطة الغريبة إلى المجتمعات المتحفظة للشرق بصفة عامة والمسلمين بصفة خاصة سببت نوعا من رد الفعل غير المقبول في البداية وكانت البنت التي تقدم على العمل في مثل هذه المجالات تعد من قبل أهلها والمحيطين بها خارجة عن الأدب واضعة لأنف الأسرة في الوحل وفي بعض الحالات كان الأمر يصل لحد القتل !!! ... ليس الأمر مرجعه لأسباب دينية ولكن بسبب الأعراف والتقاليد ، وكان الذي يواكب مثل هذه الأنشطة يعد متمدين عصري متحضر – - large sport - أما الذي يرفض الانسياق وراء هذه العادات الغريبة يعد قروي ريفي رجعي ومتخلف- savage - ، وأصبحت المدن الكبيرة بما فيها من وسائل التسلية والترفيه أمل لكل من يقطن بعيدا عن المدينة في القرى والقفار والنجوع .
إذا تفحصنا واقع الحال منذ البداية نجد أن الرجال كانوا يرحبون بل ويتشوقون إلى هذه الأنشطة لما فيه من تسلية وترفيه لهم ، ولم يكن في الحسبان أن الأمر سيدور عليهم ويتجرعون ذات الكأس التي يتلذذون بها ، فالنساء بدأن يُجتذبن إلى ما يحدث حولهن ففريق منهن يردن الدخول إلى هذا العالم الجديد من الشهرة والسمعة والمال ، وفريق أخر ترغب نساؤه في التحضر ومواكبة العصر والخروج على العادات التي أصبحت في ظل المستحدثات – موضة قديمة – ينبغي تركها فبدلا من الملابس المحتشمة الفضفاضة سألت النساء أنفسهن... ما المانع من تجربة الملابس الضيقة المكشوفة ، بل لماذا لا نشارك الرجال أزياءهم ؟ لماذا لا نرتدي البنطال- البنطلون – إن العروض التي نشاهدها بها مشاهد كثيرة تناولت ذلك وكانت مستحسنة من جمهور الرجال بل لقد تهافتوا على الممثلة فلانه التي كانت بالعرض وترتدي ملابس مكشوفة تظهر ساقيها وذراعيها وبعض مفاتنها ..... هذه الأحاديث كانت تدور بين النساء كرد فعل طبيعي للصراع الذي بدأ يدور بين الحديث المتحضر والقديم المتحجر ، بين التحفظ والانفتاح ، بين الحشمة والسفور..... ، وفريق ثالث غير سابقيه لا تردن صاحباته إلا رد أزواجهن لبيت الزوجية الذي هجره الرجل بعدما شاهد خارجة أشياء تدعوه لترك البيت والندب على حاله فهو يرى الأنوثة والليونة والرقة والجمال الأخاذ حين يخرج من البيت في حين لا يرى أي من ذلك حال عودته!! وحدث ولا حرج عن تأثير هذه الأنشطة على الكيان الأسري بصفة عامة ، باتت النساء في المجتمعات الشرقية التي غمرتها الفنون والعروض المسرحية وفرق الرقص والأنشطة التي تحدثنا عنها قبل قليل ، وحتى لا يطلق عليهن رجعيات متخلفات وحتى لا يهجرهن أزواجهن ولكي لا يُظن بهن أنهن لسن يملكن مفاتن تجذب أزواجهن ولسن على درجة كافية من الجمال ، بتن على استعداد تام لمواكبة ومسايرة هذا الغول الذي ظهر لهن دون أن يتبصرن بعاقبة ذلك أو غرض الذي أطلق العنان لهذا الغول من وراءه ؟؟!!
ثم جاء التمرد الصارخ الصريح وذلك باستخدام الفكر العميل والأقلام المأجورة بدعوى التحرر وحق المرأة في التعليم والتكافؤ بين المرآة والرجل والمرأة نصف المجتمع وظلم المجتمع للمرأة ...... إلى أخر تلك الشعارات الرنانة التي أصابت المجتمع بالدوار .
وبعد أن كانت المرأة مصونة في البيت عاكفة على رعاية البيت وصيانته وتربية الأولاد وأعدادهم للمستقبل باتت غير متفرغة له بالكاد يمكن أن ترى الأولاد والزوج قبل النوم ، وبعد أن كان اختلاط النساء بالرجال أمر مستغرب الحدوث بات أمر عاديا ، بل أصبح الرجل الذي لا يراقص زوجة صديقة أو يرفض أن يراقص صديقه زوجته رجل همجي غير متحضر !! وحدث ولا حرج عما حدث ، وليس بخاف عن أحد الهاوية السحيقة التي وقعنا فيها ، أصبح كل شئ يمكن تصوره يمت بصلة للنساء يلقى رواجا ليس لقدرتهن الفعالة وإنما أستخدم الحسن والدلال والجمال كعناصر ضمن عناصر الإنتاج ، وبصفة خاصة الأعلام .. فالسلعة التي يريد منتجها رواجا كبيرا يقدمها ويعلن عنها بواسطة امرأة حسناء فيخلب عقول الجمهور ليس بالسلعة وإنما بالحسناء التي أعلنت عنها بل قد تجد الجمهور ينتظر وقت الإعلان يوميا لينال متعة النظر للفاتنة التي شغلت عقول أفراده!!! هكذا أصبحت المرأة للمشاهدة والتسلية؟ ويمكن مشاهدة يافطة لمحل ما أو شركة تطلب موظفة أو سكرتيرة لا يهم الكفاءة أو المؤهلات وإنما المهم الحسن بدليل محتوى اليافطة ( مطلوب آنسة حسنة المظهر) أو ( مطلوب موظفة حسناء ) فمعيار الاختيار لم يصبح موضوعي بالدرجة الأولى وإنما أصبح معيار شكلي لأنها مجرد وسيلة جذب إن لم يكن لصاحب العمل مآرب أخرى فيها.
يتبع